السيد محمد حسين فضل الله

35

من وحي القرآن

جَنِيًّا : الجنيّ من الثمر : ما نضج وصلح للاجتناء والقطف ، وقد يقال لما جني من ساعته . المولود المعجزة وتمت كلمة اللّه ، ودخلت مريم في عالم جديد مبهم ، لا تعرف لا طبيعته ولا مدى خطورته ، بل كل ما كانت تشعر به أنها مقبلة على جو معقّد ، ولكنها سلمت أمرها للّه ، واندمجت في التجربة ، وحاولت أن تغيب فترة الحمل عن المجتمع . فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا بعيدا عن الناس ، حتى لا تثير انتباه أحد . ومرت الأيام . . . ، فلم يعرّفنا القرآن الكريم ، هل استكمل الحمل المدة المقررة له ، أو أن الزمن كان قصيرا ، فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ أي فاجأها الطلق الذي يسبق الولادة ، وحملها ما أخذت تعانيه من ألم إلى جذع النخلة لشعورها آنذاك بالحاجة إلى شيء صلب تستند إليه لتكتسب قوة وتماسكا ، وولدت عيسى عليه السّلام في ما يشبه الصدمة لمشاعر مريم عليها السّلام ، وتحرك الضعف الأنثوى فيها ليثير في داخلها الإحساس بالعجز عن مواجهة هذا الحدث الذي لا تملك أن تدافع عن طبيعته أمام الناس ، فهم لا يفهمون سرّ الإعجاز الإلهي الكامن فيه ، بل يردون فيه مظهر انحراف في أخلاقيتها وسقوط في شرفها ، ونقص في عفتها ، لما توحي به أمثال هذه الحادثة من وجود علاقة غير شرعية ، ما دام احتمال نشوء المولود عن علاقة زوجية معلنة أمرا غير وارد في الموضوع . وشعرت أن المسألة أكبر من طاقتها لا سيما وهي تعيش الوحدة ، فلا أنيس تأنس به وتشكو إليه همومها الجديدة ليخفف عنها ، ولا صديق تبحث